Saturday, 8 June 2013

مذكرات إنسان في بلاد الطليان (2)

ركبت أخيرا الطائرة المتجهة إلى ميلانو، كان الجو من حولي غريبا و كنت حاسس ب إحساس جديد تماما و أحسست في هذه اللحظات بما يعرف ب "ألم الغربة"  ز ألم أن تكون بين ناس لا يفهمونك و لا تفهمهم ..قدموا لنا وجبة خفيفة مكونة من شطيرتين جبنة و فراخ ..قبل ما أسافر حذرني صديقى خالد من أنهم يضعون الخمر و دهن الخنزير على الخبز ،فسألت المضيفة لكي أتأكد من أن الخبز خالى من هذه الأشياء، ثم أكلت شطيرة الجبن و تركت ما بين أن أكلها و بين أن أتركها لأن ذبحها ليس على الطريقة الإسلامية...قبل السفر سألت كثيرا في موضوع أكل اللحوم و كانت أغلب الإجابات أن أحاول أن أبحث عن اللحو المذبوحة حسب الشريعة و أنه لا يجوز أن آكل من اللحوم الأخرى لأنها على حسب زعمهم مصعوقة .و أكثر إجابة ريحتني في ذلك الموضوع أنني إذا كنت لاأعرف طريقة ذبح اللحوم ،مثلا عندما أكون في مطعم ، ففي هذه الحالة "سمّ و كل " .و يمكنني أن أقول أنني بعد فترة من العيش في إيطاليا وضعت لنفسي منهجا يوافق بين جميع الآراء المعتبرة و أرتاح له قلبي بعد فترة من التخبط و كنت خلالها أتوجس من أي شئ أكله و أسأل إن كان به أي نوع من أنواع المحرمات...في إيطالياو في البلد التي أعيش فيها يوجد العديد وا لعديد من الجزارات الإسلامية و التي أستطيع بكل سهولة شراء اللحوم المذبوحة على الطريقة الإسلامية و أجنب نفسي أي شبهة ..و أيضا ينتشر جدا محلات الكباب التركي والتي تشبه جدا الشاورما عندنا ، ز لكن هناك أوقات أكون بعيدا فيها عن محل إقامتي و يكون من العسير وجود هذه الأشياء ففي هذه الحالة أخذ بالرأي القائل أن أسم و أكل و لا أسألأ عن المصدر و أعرف أناس كثيرون يشتهرون بالورع و يأخذوا بنفس هذا الرأي ...أعتقد أنني أبتعدت قليلا عن الموضوع الأصلي و لكن لا بأس :)
المهم وضعت في حقيبتي شطيرة الفراخ مؤجلا أكلها من عدمه إلى إشعار آخر و بصراحة لم أكن أجرؤ ساعتها على أكلها مع كامل علمي بهذا الرأي الذي يبيح
بدأت الطائرة في الإقتراب من مدينة ميلانو ...كانت كلها مكسوة باللون الأخضر و لكن هذا الأخضر كان أخضرا غامقا ليس الأخضر الفاتح الموجود في مدينة أمستردام و التضاريس فيها على هيئة مرتفعات و منخفضات ...هبطت الطائرة أخيرا في مطار ميلانو و خرجت من الطائرة و انتظرت أمتعتي ثم أخذتها و أتجهت بها ناحية الخروج و فجأة وجدت نفسي خارج المطار ...تعجبت و ذهلت لأنني لم أمر على  مكتب الجوازات لكي يتم ختم جوازي بختم الدخول و كان مصدر قلقي أن هذا الشئ ممكن أن يسبب لي مشاكل مستقبلية ..وجدت فتاتين بجانبي فذهبت إليهما و سألتهما عن موقفي ، فسألاني عن المدينة التي قدمت منها ، فقالا لي بعدها أنني داخل الأتحاد الأوروبي و لهذا لم يفحصوا جواز السفر ، اسقطت هذا الكلام على بلادي و تمنيت أن يتم إزالة الحدود بين الدول الإسلامية و أن يستطيع الفرد التنقل بحرية بداخلها
خرجت من المطار و ركبت القطار إلى وسط ميلانو لكي أركب من هناك القطار المتجه إلى مدينة ليكّو و هي المدينة التي تبعد ساعة عن كومو...كان علي أن أذهب إلى هناك لأنني حتى تلك اللحظة لم أجد سكن في كومو. أخذت من خالد مفتاح غرفته في ليكّو ...كان الجو صيفا في ميلانو فرأيت الناس من حولي لابسين ما قل و دل ...بعض تمضية بعض الوقت في التيه ، وجدت أخيرا القطار الذي المفروض أن أركبه ، اليوم كان سبتا ،فكان القطار مزدحما جدا ، بعد فترةمن إنطلاق القطار بدأت تظهر سلاسل الجبال المكسوة بالأشجار و كان أول مرة في حياتي أشاهد ذلك المنظر الخلاب ، لم يمضي وقت كثير حتى يصل القطار إلى محطتي و لكن مضى وقت كثيير جدا و أنا صاحي حوالي 30 ساعة ، فبدأت تظهر علي مظاهر الإعياء الشديد من طول و تعب الرحلة ، فبدأت أفقد أي مظاهر أتصال لي مع العالم الخارجي. فكان كل همّي حتى هذه اللحظات أن أصل إلى البيت و استريح و أدخل الحمام ثم أنام . على الرغم من أن خالد قد أعطاني ورقة بما يجب علي أن أفعله حتى أصل إلى بيته إلا أن دائما الواقع يكون أصعب و أعقد .. لم أدر ما علي أن أفعله فأتصلت بخالد و الذي بدوره أتصل ب أحد أصدقائه و الذي كان و لله الحمد موجود في هذا الوقت في ليكّو ، ، فأخذني و ذهبنا إلى سوق المدينة لكي أشتري بعض الأكل ، لأعيش به اليومين القادمين حيث أن بيت خالد على الجبل و لا يوجد حوله أي محلات أكل و بعد الساعة 7 أو 8 تشعر كأنك في مدينة أشباح . المهم بعد أن اشتريت كل الأشياء التي سأحتاج لها، أوصلني محمد إلى محطة الأتوبيس و أخذت الأتوبيس رقم 1 إلى بيت خالد ، كان معي أشاء كثيرة جدا في الأتوبيس ، فعندما وصلت إلى المحطة هممت إلى النزول كنت فعلا قد بلغ التعب مني ما بلغ ، و وجدت الركاب في محطة الأتوبيس ينظرون إلي نظرات شفقة و انا أحمل كل هذه الأشياء، و كان محمد قد عرض على أن أترك عنده شنطة و أخذها تاني يوم و لكنني أصريت على أخذ جميع أشيائى و كانت وجهة نظري أنها هي كده كده علقة فخليها علقة واحدة و خلاص . نزلت و بدأت في البحث عن البيت ، ما كنت تذكره أن خالد قد قال لي بعد ما تنزل من الأتوبيس ستجد البيت و الذي يمكن أن تصل إليه بعد أن تنزل شوية سلالم ، وجدت سلالم أمامي و نزلتها على ثلاث مرات   لأنني لم أكن لأستطيع أن أنزل بكل هذه الأشياء مرة واحدة ، و كانت السلالم طويلة جدا ، و استغربت لأن خالد لم يذكر شيئا أنها طويلة و لكن لنرى ماذا سيحدث ، بعد أن نزلت بكل أشيائي و استنفاذ أخر طاقة لي وجدت أمامي بيت خيّل إلي أنه بيت الطلبة الذي يقيم فيه خالد ، فذهبت إليه و حاولت أن أفتح بالمفتاح الذي معي و دخل المفتاح في الباب و لكن بدون أن يفتح ، و وجدت من بعيد إمرأة كبيرة تأتي مسرعة ناحيتي و هي تقول كلمات بالإيطالي لا أعرف معناها
mia casaa, mia casa
و لكن فهمت من السياق أنها تقول بيتي و تذكرت أن خالد قال لي أن مديرة البيت سيدة إيطالية كبيرة ، فتوقعت أن تكون هي نفس السيدة ، فحاولت أن أوصل لها أنني أيضا ساكن هنا و لكن بلا جدوى ، ..أمضينا بعض من الوقت و هي تقول لي أنه بيتها و أنا أقول لها أنه أيضا بيتي ،هداني الله بعدها لأن أريها الورقة التي أعطاني إيها خالد، ممكن حد يسأل لماذا لم أعطيها هذه الورقة في البداية و لكنني فعلا كنت في حالة صعبة جدا و عاجز تمام عن التفكير في أي شئ ، تفهمت الوضع أخيرا و علمت أنني أخطأت العنوان و خلال هذه المحادثة تجمع حولي 3 أو 4 من كبار السن فعندما رأوا العنوان قالوا لي أنه في الأعلى فنظرت إلى أعلى و أكتشفت أنني يجب أن أصعد السلالم مجددا و كدت أفقد وعيي في هذه اللحظات ولكن لله الحمد فلقد ساعدني أحدهم في حمل الشنط ، و وصلت أخيرا إلى المكان المراد و كان معي نفس الرجل الذي كان يحمل الحقيبة عنّي ، ودخلنا البيت و لم نجد أحدا إلى جماعة من الصينيين قاعدين بيذاكروا ، فتكلمت معهم وقلت لهم أنني هنا في الغرفة رقم كذا ، فقالوا لي أن هذه الغرفة يسكن فيها بنت فقلت لهم مستحيل فهذه غرفة خالد صاحبي  ، و ذهبنا إلى الغرفة و ب جربنا المفتاح و لكن لم يفتح ، فقلت  في نفسي هو اليوم شكله كده مش عاوز يعدّي و كنت على وشك أن أقول     للناس من فرط التعب" مش مهم ، ودوني أي غرفة أو أي مكان لكي أنام حتى الصباح و بعد كده نشوف المشكلة دي في الصباح  " ..في هذه  الأثناء قال أحد الموجودين إن احنا ممكن نجرب المفتاح في جميع الغرف لأنه ممكن أن أكون نسيت رقم الغرفة و بالفعل بدأنا في تجربة جميع الغرف حتى رأينا غرفة بنفس الرقم و لكن في أخر البيت ، فتنفست الصعداء قليلا و لكن بكثير من التوجس و أخييييييرا فتح البا و لا أستطيع أن أصف لكم الفرحة التي أنتابتني في هذه اللحظات و لا أبالغ إذا قلت لكم أنها من اللحظات السعييدة جدا التي مرّت علي ....ياااااه أخيرا دخلت الغرفة و قفلت على نفسي ، بعد ان دخلت الحمام وأخذت دش و صليت ، جلست في إنتظار المغرب و كان ناقص حوالي الساعة فرتبت أشيائي ، و صلييت المغرب و رحتو لم أدر أي شئ بعدها و رحت في نوم عميق جدا ، و لكن صحيت كده على الساعة 3 بالليل على صوت مرعب والشباك بيتهز و كان صوت الرعد في الخارج و لكن خفت بصراحة أن أفتح الزجاج . لم أكن مستوعب بعد ما انا فيه و أول ما صحيت من النوم تخيلت نفسي مازلت على سريري في مصر و بين أهلى ، عندما أتذكر هذه اللحظات آلان أشفق على حالي ساعتها و لاأدري كيف عدّت هذه الحظات الأولى إلا بفضل من الله و لطف و عطف منه سبحانه ، و في رأيي أن هذه اللحظات هي أصعب اللحظات في الغربة على الإطلاق. و هكذا مر أول يوم لي في إيطاليا و الحمد لله دائما أولا و أخيرا ! 

No comments:

Post a Comment