Wednesday, 5 June 2013

مذكرات إنسان في بلاد الطليان (1)

من أكثر الأشياء التي استمتع بفعلها هي قراءة السير الذاتية و حتى لو لأناس غير مشهورين ، فكفاية أن يعرض عليك أحد الناس قراءة كبسولة حياته و يقدم لك صادقا تجربته في هذه الحياة . كنت زمان أظن أنه لا يوجد في حياتي ما يستحق الكتابة حتى قرأت هذه العبارة للراحل عبد الوهاب مطاوع و قال فيما معناه أن كل إنسان ممكن أن يؤلف عمل عظيم إن حكى وسرد بكل صدق تجربته في هذه الحياة 
و من أحسن  الكتب التي قرأتها في السير الذاتية كتاب "حياتي" لأحمد أمين و لقد قرأته حتى ألان 4 أو 5 مرات ، و هو من الكتب التي إذ بدأت فيها ممكن تخلصها في قعدة واحدة إن توفر لك الوقت لهذا ، وبالرغم أنني لم أكن أعرف وقتها من هوأحمد أمين إلا من خلال عبد الوهاب مطاوع و الذي حكى عن هذا الكتاب في بعض كتبه و مرة كنت في سور الأزبكية أشتري كتبا لعبد الوهاب مطاوع فوجدت نسخة قديمة من الكتاب و شكلها ليس ب جذاب على الإطلاق و اشتريت الكتاب على توجس و ظننت وقتها أنه سيكون من الكتب المركونة على الرف مع رفقائه ، و لكن خاب ظني هذه المرة و قرأته في مدة وجيزة جدا و كان مشكلته مشكلة كل حاجة جميلة في هذه الحياة أنها بتنتهي بسرعة أسرع ممكا كنا نتخيل ! لقد أعطاني الكتاب تصور عن التاريخ في حقبة من عمر مصر لم أكن أعرف عنها الكثير في أوائل القرن العشرين و كان الكتاب خفيفا على الروح ، مسليا للروح و ممتعا للقلب
و بعد ذلك صارت عندي مشكلة أخرى و هي عدم قناعتي بأنني عندي القدرة على كتابة شئ ذا قيمة ..و زال هذا الهاجس الحمد لله ، عندما شعرت أن أهم حاجة في الكتابة هي الشعور بالشئ الذي تكتبه و أن أالأسلوب نفسه سيتحسن بمرور الوقت ...و من وقت اتيت إلى إيطاليا و قبل ذلك بوقت كثير كنت أخذت القرار بكتابة مذكراتي و خواطري و "لكن تأتي معضلة "من أين أبدأ ؟  
و يحضرني في هذه اللحظات قول العلامة أحمد شفيق " من ساعة ما أو قبل الساعة أو بعد الساعة بقلليل" و أخيرا استقريت على هذه الساعة و هي ليلة سفري إلى إيطاليا 
لمحة بسيطة عن الموضوع 

في لحظة ما أحسست أن العمل في مصر لا يروق لي و أنني سأدفن بالحيا إن بقيت في مصر  و شعرت بأن فرص العمل ضئيلة جدا في تخصصي ، و صارحت نفسي و وجدتني لا أهوى الشئ الذي درسته و وجدت من نفسي عزوف عن العمل فيه ، و لهذا قررت 
ان  اخذ هذه الخطوة المهمة جدا في حياتي و هي السفر للخارج للماجيستير ، في البداية ظننت أن موضوع السفر صعب خاصة إن انا بتاع كلام كثير و لكن بداخلي كنت أحاول أن أثبت لنفسي عكس ذلك و بالفعل وجدت فرصة في إيطاليا و اتقبلت في جامعة هناك و تحدد ميعاد سفري سبتمبر 2011  
صادفت عدة صعوبات و إحباطات في طريق سفري و لكن لا مجال لذكرها آلان و ربما أتحدث عنها لاحقا إن اتيحت الفرصة لذلك 
كنت سأذهب إلى مكان جديد على تماما و لا أعرف فيه أي أحد إلا "خالد" صديقى و هو بالمناسبة من أقرب الناس إلى و لكن خالد كان يسكن في مدينة غير المدينة التي كنت ذاهب إليها و تبعد عنها مسافة ساعة بالأتوبيس
نعود آلان إلى ليلة السفر ، كان شعورا مختلفا تماما لم أعيشه من قبل و حلاوته كانت أنه كان جديدا و لكن ني عشته عدة مرات في عالم  مواز ...عشته مع كل مرة أشاهد فيها مسلسل "رأفت الهجان" و هو يستعد للسفر إلى إسرائيل و لحظات وداعه مع أخته و محسن ممتاز 
و عشته إيضا في فيلم "همام فب أمستردام" و همام يوده أمه و بالصدفة فقد كنت مسافرا لإيطاليا عن طريق "امستردام" حيث قضيت هناك ساعتين ترانزيت 
في هذا اليوم كنت أرى الأشياء ة أتأملها يشكل جديد على تماما ...فهذه غرفتي سأودعها و لن أراها قبل 6 أشهر  و هذه الشوارع أكيد هتوحشني، صوت الآذان ، المساجد ...أشياء كثيرة سافتقدها هذه القعدة العائلية التي قضيتها في بيت أخويا قبل السفر بيوم و أحسست بعدها بالحزن الخفيف الشفاف الذي يسمو بالنفس و لا يسبب أي ضرر..... بعد ساعات سأواجه عالم جديد عليّ و لكن للأسف لن يكون فيه تلك الأشياء التي ذكرتها سالفا و في هذه الأثناء خرجت بحكمة إنسانية " عندما يدرك الإنسان أنه يقضي وقتا محدودا فإنه يحرص على الإستفادة و الإستمتاع فيه" ..عندما ندرك أن قعداتنا مع أهلنا أكيد و هيأتي يوم نتمنى فيه هذه الأشياء و لكن لا نجدها ، في تلك اللحظة ستستمتع بكل شئ حولك مهما كان ذلك الشئ بسيطا
و أخيرا حانت لحظة الفراق و لحظة الفراق بتفرق جدا إذا كان هذا الفراق صباحا أو مساءا ..ففي الحالة الثانية يكون أشد على النفس و أصعب 
و من رحمة الله بي في هذه اللحظات ن حماسي للتجربة الجديدة كان يغلب على أي شعور صعب !!
الطائرة كانت الساعة 3 أو 4 فجرا ، جاء أصدقائي "محمد هشام" و "خالد سامي" و "محمد صلاح" ليأخذوني إلى المطار و كانت لحظات صافية جدا مازلت أذكر تفاصيلها حتى آلان..و حانت أيضا لحظة الفراق ...من أصعب اللحظات في حياة الإنسان هي تلك التي نقول فيها وداعا ..اللحظة نفسها صعبة جدا على الرغم أنه بعد ذلك تمضي الحياة و ينشغل كل منا بهمومه و مشاغله 
دخلت المطار و أنا يملؤني شعورين مختلفين تماما
أولا الحزن الشفيف على ألم الفراق و الذكريات الجميلة التي سأتركها و التي كانت تتدفق في ذهني تدفقا 
ثانبا الحماس و الترقب لبدء تجربة جديدة في حياتي تعوض فترة إخفاقات مضت ..كنت منتظر بشغف رؤية أوروبا لأول مرة في حياتي و رؤية مدينة كومو و هي المدينة التي سأقضي فيها سنتين من حياتي 
انهيت جميع الإجراءات و جلست في إنتظار الطائرة ..في هذه الأثناء كتبت هذا "الستيتس" الأخير لي في مصر : 
"اللهم إني أسألك في سفري هذا البر و التقوى"
و بعدها نادوا على الطائرة فكلمت أهلى قبل الركوب و حبست دموعي بالعافية !!
استغرقت الرحلة من القاهرة إلى امستردام أربع ساعات و اشرقت على الشمس و انا في الطائرة و كانت أمتع اللحظات مع هبوط الطائرة في مطار امستردام و احمد الله أني كنت جالسا ناحية الشباك حيث رأيت منظرا من أحلى المناظر التي رأيتها في حياتي ...رأيت حدائق امستردام و تزينها الزهور الجميلة ذات كل لون و شكل و رأيت تجانسا عجيبا بين الألوان ، و حتى اللون الأخضر كان شيئا أخر غير الذي كنت أراه في الحدائق في مصر أو حتى غير اللون الأخضر الذي شاهدته بعد ذلك في إيطاليا و عرفت لماذا تشتهر هولندا بالزهور 
نزلت من الطائرة و أنا مازلت منتشي بالمنظر السابق 
 به وغريب في بلاد غريبة" هذا بالتحديد ما أحسست به و أنا في المطار ترانزيت و قبل أن أواصل الحكي عن مطار امستردام و كيف كانت أول لحظات لي في إيطاليا و على ذكر سيرة "غريب" يتحتم علي آلان أن أتحدث قليلا عن تلك الشخصية الملهمة في حياتي 
"غريب" هو شخصية من شخصيات كابتن ماجد و كان بداية ظهوره في الجزء الرابع و أيضا مدة ظهوره لا تتعدى حلقات قليلة  و مع ذلك فقد ترك في أثر لا يمحى 
لا أتذكر أول مرة شاهدت فيها غريب و لكن كان ذلك قبل 9 أو 10 سنوات 
هناك العديد من الأمور المشتركة بيني و بين غريب 
فهو أولا ضئيل الجسم مثلي 
ثانيا فقد كان غريب يلعب في نادي مغمور و غير معروف و لم يكن في شهرة ماجد و لا بسام و لا ياسين و لكنه كان يحمل من الإصرار و الحماس ما جعله يسافر إلى إيطاليا ليحاول الإحتراف هناك و سافر أيضا إلى ميلانو و هنا يأتي ثاني شئ مشترك 
و في بدايته على أرض إيطاليا واجه غريب صعوبات و إحباطات كثيرة و حيث أنني توقعت أيضا أن أواجه تحديات و صعوبات فقد كانت تلك ثالث الأمور المشتركة بيني و بين غريب
و لكن أهم شئ جذبني في غريب و احسست أنه قريب جدا لقلبي هما حماسه و إصراره العجيبين و مواجهته للظروف الصعبة بروح طيبة مرحة لا تقبل الهزيمة أبدا 
لا أستطيع أن أنسى الكلمات التي كان يقولها لنفسه لتحميسها 
"لا تستسلم ،فدرب النجاح طويلا" 
و اللقطة التي كان يجلس فيها مع عامل أحذية فريق ميلان و يشتكي فيها من سوء تعامل أعضاء الفريق معه و بعدها على طول يقوم محمسا نفسه ناظرا في اتجاه الجبال و رافعا كلتا يديه إلى أعلى ..هذه اللقطة كل ما شاهدها تمدني بطاقة حماس و تفاؤل تكفي بلد بأكملها ..و جعلت صورة البروفايل بتاعتي على الفيس بوك  قبل السفر لغريب 
و نعود آلان لمطار امستردام
مدة الإنتظار في المطار كانت ساعتين ، ابهرني المطار جدا و اخذت جولة فيه و تقريبا كان أكبر مطار رأيته في حياتي ، كنت أود أن أصلى فكنت أبحث عن مكان مناسب للصلاة ، قابلت شابا افريقيا يرتدي جلبابا و عنده لحية فخمنت على طول أنه مسلم ، فذهبت إليه و سألته أولا إذا كان مسلما ،فأجابني بنعم فسألته بعدها عن مكان للصلاة ، فقال لي : " أنه سمع أنه هناك مسجد في المطار و لكن لم يذهب إليه من قبل و لا يعرف أيضا مكانه ، بدأت رحلة البحث عن المسجد في هذا المكان العملاق ، تفحصت جيدا اللافتات و لكن لم أجد أي شئ يدل على وجود مسجد ، فذهبت إلى مكتب الإستعلامات فدلني الموظف المسئول إلى المكان 

كنت قد توقفت أمس عندما أرشدني الموظف في مكتب الإستعلامات عن مكان غرفة الصلاة أو ما يسمونه "
meditation room
وصلت إلى ذلك المكان و وجدت على بابه أسم غرفة بالإنجليزي و حوالي سبع علامات ترمز لمختلف الأديان و قد رمزوا للإسلام بالهلال و كان يوجد أيضا نجمة داوود 
المكان في الداخل غرفة أنيقة مفروشة بالموكيت ، في جانب منها هناك كراسي كثيرة و  يتوسطهم ترابيزة كبيرة ، لا أعرف ما هي الأديان التي تستخدم هذه الأشياء 
و في جانب آخر مكتبة متوسطة الحجم وفيها كتب كثيرة  و تجد فيها كتب عن الإسلام و المسيحية و اليهودية و البوذية ...إلخ .و و جدت أيضا عدة نسخ للقرآن الكريم و منها ما هو مترجم و رأيت فيها أيضا إسدالات للصلاة 
و على الأرض وضعوا إتجاه للقبلة ..و على ترابيزة صغيرة في جانب من الغرفة وضعوا كشكول أبيض كبير و بجواره قلم لكي يكتب الناس إنطباعتهم عن هذه الغرفة ، تصفحت الكشكول و وجدت أغلب الكتابات من مسلمين و طبعا لم أذهب دون أن أضع بصمتي 
و لا أذكر أنني شاهدت غير مسلمين بالغرفة و كأن هذه الغرفة قد خصصت لهم
أخر معلومة سأذكرها هي وجود مكان للوضوء بجانب الغرفة  على الرغم من وجود أيضا حمامات و في تقديري أن سبب  إنشاء مكان للوضوء يعود لإستخدام المسلمين للأحواض في الحمامات للوضوء مما كان يسبب في غرق الحمامات و من ثم فكروا في هذا الحل :)

No comments:

Post a Comment