Friday, 6 September 2013

Pictures I can't forget (3)

واحد من الأشخاص الذين تأثرت بهم قرأت عنه  في كتاب "أعط الصباح فرصة " لعبد الوهاب مطاوع و هو  شاب مصري "جدع" من الذين عناهم الأديب مصطفى صادق الرافعي بقوله:"إذا لم تزد شيئا على الحياة ، كنت أنت زائدا عليها"..فهو زاد على الحياة عدد الناس أصحاب الفطرة السليمة التي لا ترضى بالظلم لها و لا لغيرها و تشيع الأمل و الإبتسامة في نفوس المحيطين بها و ها هي القصة اقتبستها كما هي من كتاب "أعط الصباح فرصة" :
من هؤلاء الأشخاص...شاب ضئيل الجسم ، رفيع الصوت..التقيت به في فينيسيا المدينة الإيطالية العائمة حين وصلت إليها في خريف عام 1970 م ،في أول رحلة أوروبية لي لأنتظر السفينة المصرية العائدة..و في انتظار السفينة كان المصريون يجتمعون و يتشاركون في الطعام و المرح و السمر في حلقات يومية من الصبح إلى آخر الليل
رأيت هذا الشاب في أحدى هذه الحلقات وسمعته و هو يحكي تجربته مع السفر، فتركت الجميع و أقتربت منه بالرغم من لمحة السخرية التي لمحتها في عيون زملائه و ضحكاتهم منه التي يعرفها معظمهم مع العمل في مصانع ألمانيا خلال الأجازة ...فحكى كيف رحب به رئيس العمل الصارم في أول مصنع ذهب إليه و حدد له أجرا 25 ماركا في اليوم ،فسعد بهذا الأجر كثيرا ، لأنه يكفي لنفقات طعامه بعد أن أنفق كل ما كان معه في شراء سيارة قديمة، لكن الشاب عرف بعد أسبوع من عمله أن أجره الحقيقي المدّون في دفاتر المصنع 50 ماركا. و أن رئيس العمال يقبضه و يوقع بدلا منه و يعطيه 25 ماركا و أنه يفعل ذلك مع الآخرين، و هو واثق أنهم لن يجرؤوا على الإعتراض ، لأنهم أجانب و يستطيع أن يفصلهم في أي لحظة ، و تحدث الشاب  مع زملائه – و منهم مصريون في ضرورة مواجهة رئيس العمال و مطالبته بأجرهم الكامل فرفضوا و سخر البعض منهم ،لأن النتيجة الحتمية لذلك هي فصله و ضياع أجره ، لكن الشاب لم يقبل التراجع و توجه إلى رئيس العمل الضخم الجثة ، و واجهه بما عرفه و طالبه باجره الكامل ابتداء من اليوم و بأن يوقع بإستلامه في دفتر العمل بنفسه ...
و عندما وصل الشاب في قصته إلى هذا الحد سألته متلهفا : و ماذا حدث ؟ فأجابني ببساطة بصوته الرفيع العجيب: لا شئ....نظر إليّ رئيس العمل نظرة تطاير منها الشرر، ثمّ جذبني إلى باب المصنع و دفعني منه دفعة قوية و هو يصرخ بكلمة واحدة: فيك !
فسألته و قد بلغ بي الإهتمام قمته: و ماذا تعني كلمة "فيك "! فضحك السامعون ..أمّا هو فابتسم راضيا و قال : يعني بره! و قد قلت له و هو يجذبني إلى الخارج "فيك ..فيك ...الأرزاق على الله " و غادرت المصنع غير نادم و بقيت أسبوعا بلا عمل، ثم دلني زملائي على مصنع آخر فعملت فيه ، لكني لم أستقر فيه أيضا سوى أسبوع واحد لنفس السبب ، فقد كان رئيس العال يستولي على أجري بنفس الطريقة..و حثثت زملائي على مواجهته فرفضوا و حذروني منه لأنه شرس، و لكني لم أهتم و واجهته بما عرفت
فلم أتمالك نفسي من اللهفة وسألته:"فماذا قال لك؟ فأجاب: قال لي "فيك" و لكنه لم يجذبني للخارج ..فقلت له : فيك ..فيك ..الأرزاق على الله! و خرجت و أمضيت أسبوعا أخر بلا عمل و لا نقود، ثم عملت في مزرعة فتكررت فيها نفس القصة بحذافيرها فتركتها غير نادم ،و في هذه المرة طالت بطالتي حتى إنني لم أكن لأستطيع أن أشتري من الطعام سوى رغيف خبز واحد كل يوم،التهمه كأنه سندويتش و أبيت في سيارتي، و أعتذرت عن قبول أية مساعدة من زملائي ، رغم إلحاحهم علىّ بدعوتي للطعام أو إقراضي إلى أن عملت أخيرا في مصنع رئيس عماله أمين لا يسرق أجر العمال الأجانب فأسترحت له و استراح لي و عملت معه حتى انتهت الأجازة
و منذ سمعت منه قصته ، أصبح صديقي الأول خلال أسبوع الإنتظار الذي قضيته في فينيسيا، أمضي معه معظم ساعات النهار و أستدرجه كل يوم ليحكي لي قصته من جديد ،و أرى فيه شابا لا يقبل الضيم و لا يرضى لنفسه بأن يستغله أحد..و لا يضعف عن مواجهة ظالمة مع علمه أن هذه المواجهة لن تسفر إلّا عن طرده من العمل ،و تنبأت بأنّه سيكون إنسانا ناجحا في حياته..و عادلا مع الحياة ،و لا يقبل الظلم لنفسه و لا يرضاه للآخرين .. و رافقني طوال رحلة الباخرة و وجدت في صحبته أنسا حقيقيا،ثم وصلت السفينة إلى الإسكندرية،و نزل كل منا إلى وجهته..فلم أره بعدها أبدا..و لم أسمع عنه ز لم يبق منه سوى ذكراه و سوى صوته الرفيع و هو يقول :"فيك..فيك..الأرزاق على الله"..و وجهه الباسم الراضي عن نفسه رغم ضحكات الضاحكين و إعجابي بشجاعة روحه..و إيمانه العميق بأنه لا يحق لأحد أن يقهر أحدا أو يستغله و أنه لا يجوز لإنسان أن بقبل الظلم و الإستغلال ،و إلّا كان مقصرا في حق نفسه."
انتهت القصة و التي كلما اعيد قراءتها ترتسم على شفتي ّ نفس الإبتسامة و تشع في نفسي الإيمان بخيرية هذه الحياة رغم كل ما نلمسه من مآسي و أحداث أفقدتنا إحساسنا ب كل شئ جميل !


No comments:

Post a Comment